عبد الملك الجويني

185

نهاية المطلب في دراية المذهب

8556 - هذا تردُّدُ الأصحاب ، وليس فيما ذكروه تحويمٌ على المقصود ، فضلاً عن الإخلال ، وذلك أنه ما لم يبِنْ موقعُ المتعة ومنزلتُها لا يمكن أن يعتبرَ فيها ما ذكره الأئمة ؛ فإنَّ الإنسان يختلف ما يبذله إذا اختلف جهاتُ المبذول ، فما لم يَبِنْ محلُّ المتعة ، أعِوضٌ هي أم مِنْحة ؟ لا يظهر . وقد اتفق المحققون على أن المتعة لا يبلِّغها القاضي نصفَ المهر ، وسبب هذا بينٌ ؛ فإنها تجب حيث لا يجب نصف المهر ، وكأنا نقنع بما يقلّ عن شَطر المهر إذا لم يحتمل الحالُ شَطْر المهر ، فليتخذ الناظر هذا أصلَه . قال القفال : لا تبلغ المتعةُ نصفَ المهر ، كما لا يبلغ التعزيرُ الحدَّ ، والرضخُ السهمَ ، والحكومةُ الدِّيةَ . وقال الشافعي في القديم : أستحب المتعةَ قدر ثلاثين درهماً ، وإنما استحب ذلك لأثر ورد عن ابن عمر ( 1 ) . وقال الشافعي في بعض كتبه : ينبغي أن يفرض القاضي فيها مِقْنعةً أو ثوباً أو خاتماً . وقال القاضي : أي شيء فرضه بعد ما كان متمولاً جاز . 8556 - هذا ما بلغنا من كلام الأئمة . والذي يلوح لنا فيه بعد بناء الأمر على حطّ المتعة عن نصف المهر أن المتعة كاسمها إمتاعٌ وإتحافٌ يسدّ ممّا تداخلها من الفراق مسداً ، وليس في الإمتاع عادةٌ مطردةٌ في الناس ، حتى نرجعَ إليها من غير قاضٍ رجوعَنا إلى العادات ، في القبوض والأَحراز ، وأمور في المعاملات ، فهذا يتعلق بنظر القاضي ، حتى يَفْرِض قدراً يراه لائقاً ، ثم يختلف هذا بالإعسار واليسار ، ثم لا ضبط للتقدير ، [ في التعزير ] ( 2 ) ؛ فإن التقدير يختلف باختلاف أحوال الناس في عرامتهم ( 3 ) وشراستهم ، فرب صاحبِ عَبْرة ( 4 ) يكفيه

--> ( 1 ) حديث ابن عمر ، رواه البيهقي موقوفاً . ( ر . السنن الكبرى : 7 / 244 ، والتلخيص : 3 / 392 ح 1685 ) . هذا وفي نسخة الأصل " حديث عمر " . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) عرامتهم : أي عنفهم وشدّتهم ، وشراستهم . ( 4 ) عَبْرة : أي : دمعة . والمعنى رقيق القلب سريع الفيئة .